أبو نصر الفارابي
41
احصاء العلوم
من الناس ، كما لا يسمون الإنسان جدليا لأنه ينسب إلى إنسان كان يلقب بجدل . بل سموه جدليا لمهنته ونوع مخاطبته ، ولقدرته على حسن استعمال صناعته ، كائنا من كان من الناس . فمن كانت له هذه القوة والصناعة فهو سوفسطائي ، ومهنته ، هي سوفسطائية ، وفعله الكائن عن مهنته فعل سوفسطائي . والأقاويل الخطبية « 1 » - هي التي شأنها أن يلتمس بها إقناع الإنسان في أي رأي كان ، وأن يميل ذهنه إلى أن يسكن إلى ما يقال له ويصدق به تصديقا ما - إما أضعف وإما أقوى - فإن التصديقات الإقناعية هي دون الظن القوي ، وتتفاضل ، فيكون بعضها أزيد من بعض على حسب تفاضل الأقاويل في القوة وما يستعمل معها ؛ فإن بعض الأقاويل المقنعة يكون أشفى وأبلغ وأوثق من بعض في الشهادات . فإنها كلما كانت أكثر فإنها أبلغ في الإقناع وإيقاع التصديق
--> ( 1 ) الأقاويل الخطبية : هي الخطابة ، وهي فن من فنون الأدب النثري . وبها يحاول الخطيب أو المتكلم أن يقنع الجمهور الذي يستمع إليه بوجهة نظره في مسألة من المسائل العلمية أو الاجتماعية أو الخلقية إلخ . . . والخطبة لا تشكل قياسا بالمعنى الصحيح . ويعتمد الخطيب على الشواهد المختلفة لتدعيم رأيه وحمل الناس على تصديقه ولذا كانت أقل من الجدل . وفي كتاب أرسطو الذي يحمل اسم « الخطابة » يشير إلى احتواء الخطبة نوعا من القياس دعاه « الضمير » . والضمير ينطلق مثل الجدل من مقدمات احتمالية ولكنه يختلف عنه في النتيجة التي لا تستخلص من مقدمات جيدة جدا ولا تتضمن كل خطوات الاستدلال . وهو نوعان برهاني وتفنيدي . البرهاني يثبت أن شيئا يكون أو لا يكون ، ويستخلص النتيجة من مقدمات مقربها ، أما التفنيدي فتخلص النتيجة من مقدمات ينكرها الخصم .